الخميـس 18 ذو القعـدة 1430 هـ 5 نوفمبر 2009 العدد 11300 الصفحة الرئيسية







 
علي سالم
مقالات سابقة للكاتب
حركة مقاومة مشدات الصدر في الصومال
الحرية.. محاولة للفهم والتعريف
المال الخبيث والجهاد والدكتور القرضاوي
نقابة الصحفيين في مصر.. سلاما
المؤخرة كأداة للتفكير والتفجير
دور الكتاب العرب في صنع السلام وحمايته
تعبان بن مرضان الحسداني
اختلاط المواسير والفكر الثوري
اقتراح لتحقيق السلام الفلسطيني الفلسطيني
الزعماء لا يموتون.. يقتلون فقط
إبحث في مقالات الكتاب
 
كيف عرفت أنها كذبة؟.. من طولها وعرضها

دار النقاش في ذلك اليوم البعيد في ندوة نجيب محفوظ بكازينو قصر النيل عن نهر صناعي كبير شقته حكومة عربية تحت الأرض في الصحراء وسارت فيه المياه في مواسير عملاقة لمسافة 1400 (ألف وأربعمائة) كيلومتر. كان الحديث يدور بمناسبة انتهاء المرحلة الأولى من المشروع، والاحتفال بوصول المياه قاطعة كل هذه المسافة في حضور عدد كبير من الملوك والرؤساء والشخصيات العامة، حيث شاهد سكان الأرض المياه وهي تتفجر أمام الكاميرات قادمة من باطن الأرض في تلك العاصمة العربية. ندوة الأحد عادة أقرب إلى احتفال نستمتع فيه بالجلوس معا ومع الأستاذ نجيب، والنقاش لا تحكمه قواعد أو ترتيبات، الكل يتكلم معبرا عما يجيش في صدره، ولم تكن الندوة تعرف الحدة أو الخروج عن المألوف إلا في القليل، وربما كان أشهر هذا القليل هو عندما تكلم الناقد أحمد عطية ـ رحم الله الجميع ـ معلقا بحدة على موقف الأستاذ المؤيد لاتفاقية السلام المصرية الإسرائيلية، وطارت منه بعض الكلمات المنفلتة فرد عليه الأستاذ بتلك الجملة الشهيرة التي تصلح قاعدة ذهبية لكل نقاش: ناقشني.. ما تشتمنيش.

نعود إلى النهر العظيم، كانت أخباره وصوره وخاصة المواسير العملاقة تملأ كل الصحف والمجلات فقلت معلقا: أيها السادة.. لا يوجد نهر عظيم أو غير عظيم.

الجملة أحدثت صدمة بين الحاضرين فارتفعت الصيحات: ماذا..؟.. وهؤلاء الرؤساء والملوك الذين شاهدوا وشهدنا معهم المياه الخارجة من بطن الأرض؟ وهذه الحملة الإعلامية الهائلة التي تحتل كل وسائل الإعلام؟ وهذا الجيش العرمرم من الإعلاميين الذي شاهد الحدث؟.. كل ذلك.. ثم تأتي حضرتك لتقول إنه وهم..؟

فقلت: لا ليس وهما.. المشروع حدث بالفعل في أجهزة الإعلام فقط.. حدث من خلال الكاميرات والميكروفونات وأحبار الطباعة.. ولكن لم يحدث أن مواسير عملاقة تتحمل دخول عربة نقل كبيرة فيها، لم يحدث أنه تم شق الأرض لدفن هذه المواسير في باطنها لمسافة 1400 كيلومتر.. هذا الأمر يتطلب سنوات طويلة على الأقل لتعبيد طريق داخل الصحراء ثم إنشاء عشرات المواقع عليه للإمداد والتموين وعمليات الصيانة، هناك عشرات المشاريع المطلوب تنفيذها قبل العمل الفعلي في مد المواسير.. هل سمعتم عن شخص في السنوات السابقة قال إنه يعمل في مشروع النهر العظيم..؟ هل سمعت شخصا يقول لشخص آخر.. ما تعرفش والنبي حد يشغلني في النهر العظيم.. هل قرأتم في باب شكاوى القراء شكوى من قارئ يشكو فيها المعاملة السيئة التي عومل بها في النهر العظيم..؟ نعم شاهدنا المياه على شاشات التليفزيون، ولكن لا أحد اهتم بتصوير المنشآت في المنبع بماكيناتها وآلاتها العملاقة القادرة على شفط المياه ثم دفعها لهذه المسافة.. من المعروف عن بعض الأشخاص والأنظمة أيضا أنهم (يعملون من الحبة قبة) فلماذا عكسوا الآية هذه المرة، لماذا عملوا من القبة حبة؟ لماذا لم يهتموا إعلاميا بالمشروع في مراحله المختلفة، هل تذكرون مراحل إنشاء السد العالي، كان هناك حديث كل يوم عن المرحلة التي تم الانتهاء منها، بل إن دور السينما كانت تعرض أفلاما قصيرة أسبوعيا عن المشروع تحت عنوان «مذكرات مهندس»، لم تكن مصر قد عرفت بعد كاميرات الفيديو.. الأنظمة الثورية بالتحديد حريصة على أن تجعل من الحبة قبة، لماذا هذه المرة قُزّمت هذه القبة وجعلت منها حبة؟ أليست الإجابة هي أن القبة نفسها لا وجود لها.

انتهت الندوة، وانصرف الأستاذ إلى منزله، ومضينا نحن في طريقنا لتناول الفول والطعمية في مطعم «الجحش» بحي السيدة زينب، هو مطعم شعبي يجلس زبائنه على الرصيف غير أنه يعتبر أحد المزارات السياحية، أنا أعتقد أن ميزته الوحيدة هو أن صاحبه فخور باسمه لدرجة أنه رسم جحشا على لافتة المحل المضيئة، وربما كان سبب إقبال الناس عليه هو شجاعة صاحبه في إعلان ما يخفيه الآخرون. ومع الفول والطعمية والسلطات تجدد الحديث عن النهر، شاب صغير كان يجلس بالقرب منا تدخل في الحديث وقال: حضراتكم بتتكلموا عن النهر العظيم..؟ لأ طبعا ما فيش حاجة من دي.. يا سادة، مد المواسير تحت الأرض مهنتي، وأنا أعمل الآن في مد المواسير في مدينة نصر لمسافة 800 (ثمانمائة) متر فقط.. شوفوا..

وهنا أخرج من جيبه رزمة من الصور الفوتوغرافية وواصل: لقد حرصت على تصوير كل مرحلة من مراحل العمل.. أين هي مراحل العمل في هذا المشروع؟

بعدها بيومين اتصلت بي زميلة وقالت لي إن الدكتور أسامة الباز المستشار السياسي للرئيس حسني مبارك يريد أن يراك في جلسة شاي في الكافتريا التي تسهرون فيها بعيدا عن الرسميات والمكاتب. وهو ما حدث بالفعل، هكذا زارنا الدكتور أسامة في حديقة السطح في كافتريا أوديون. ضمت الجلسة عددا من المثقفين وكان سؤاله هو: كيف تقول إنه لا يوجد نهر عظيم.. ما هو دليلك على ذلك؟

وكانت إجابتي: الشعب المصري ككل الشعوب القديمة، عبر آلاف السنين من التجارب استطاع تلخيص مناهج التفكير عند البشر في مقولات موجزة وسريعة هي أمثلته الشعبية، ودليلي هو ذلك المثل الذي يقول: عرفت إزاي إنها كذبة..؟ فقال.. من طولها وعرضها.

رجل الدولة بالطبع يتعامل مع المعلومات فقط وليس الشائعات أو الاستنتاجات أو الحدس الإنساني أو السياسي، بالتأكيد الدكتور أسامة كانت لديه معلومات عن المشروع من مصادره المتعددة، وعلى الأرجح كان يريد التعرف على منهج التفكير عند كاتب فكاهة شعبية الذي جعله محصنا ضد آلة الإعلام الضخمة، هل هو شكاك بطبعه أم أن لديه ما يعزز هذا الشك؟

ومرت أعوام طويلة قبل أن نقرأ هذه الأيام أن الدولة صاحبة النهر العظيم تفكر في شراء الماء من مصادر أخرى. خذها منى قاعدة صحيحة يا صاحبي، كل الأفكار شديدة الطول عظيمة العرض ليست إلا كذبة، صاحبها على وعي بأنها كذبة وبذلك يكون مسئولا عنها. غير أن هدفي من هذا الكلام ليس سياسيا بأي حال، أي إن اهتمامي ليس منصبا على إيضاح أخطاء بعض الحكومات العربية أو كلها، أنا فقط أورد بعض الوقائع القريبة والبعيدة لأقنع الأجيال الشابة من العاملين في الصحافة وأجهزة الإعلام أن الصدق مع النفس ومع الناس ليس ترفا بل هو دفاع عن النفس والجماعة، وأن الحقيقة ليست سؤالا اختياريا في اختبارات الحياة بل هي سؤال إجباري من المحتم لصيانة الحاضر وصناعة المستقبل، الإجابة عليه. يقولون إن (الكذب مالوش رجلين) أي إنه عاجز عن المشي لمسافات طويلة، نعم، هذا صحيح غير أن له للأسف في العصر الحديث، كاميرات وميكروفونات وأقلاما وحروف طباعة وإنترنت وفيس بوك ويو تيوب، غير أنه سيظل عاجزا إلى الأبد عن التحول إلى حقائق مفيدة للبشر. من المشهور عندنا أن الإعلام ينقل الخبر ولا يصنعه، حتى هذه المقولة البسيطة الواضحة والتي تبدو صحيحة وصادقة، هي الأخرى في حاجة لإخضاعها لإعادة التفكير، هي صحيحة بالنسبة للغرب وهو المكان والحضارة التي يحاسب فيها الناس على الكذب، الكذب عندهم ليس نقيصة بشرية فقط مرة بل هو جريمة تعرض صاحبها للعقاب، لذلك هو ينقل الخبر للقارئ مفترضا أن الخبر صادق، الوضع عندنا مختلف تماما، ما يزيد العبء على العاملين في الصحافة والإعلام، الأكاذيب البيضاء عندنا ليست مجرّمة ولا عقاب عليها بل ربما يكافأ عليها صاحبها عندما يكون سياسيا أو حكوميا، باعتبار أنه يكذب ليسعد (الشعب) ويزيد من صموده وقوته في مواجهة الإمبريالية، فتكون النتيجة هي أن تكتسب كل الأكاذيب عندنا اللون الأبيض، هكذا يخطئ الإعلام العربي عندما يتصور أن وظيفته نقل الأخبار إلى القارئ، والصحيح هو أن يتأكد من صحة هذه الأخبار، وبذلك تكون مهمته هي نقل الحقيقة أو بلغة كتاب الدراما نقل (الفعل) وبذلك لا يكون مطالبا فقط بالتحقق من صحة الخبر، ولكن من صحة الفعل الذي تحول إلى خبر.

دعني أحدثك عن بعض الحكايات الأخرى عظيمة الطول شديدة العرض التي منها ما ينكشف بعد ساعات مثلما حدث في هزيمة 1967، في 5 يونيو استيقظت فزعا على صيحة فرح هائلة قادمة من الشارع، كنت أسكن في الدور الثاني، نظرت من النافذة فوجدت الناس تهنئ بعضها البعض في حماس وفرحة، سألت أهل بيتي عما حدث فأجابوني في سعادة: لقد قامت الحرب.. ومنذ ساعتين ونحن نسقط الطائرات الإسرائيلية.. لقد أسقطنا حتى الآن تسعين طائرة..

تسعون طائرة؟ يا إلهي.. كم كان إذن عدد الطائرات المهاجمة؟ ما أعرفه من قراءاتي في الحرب الثانية أن خسائر الطائرات في الهجوم تكون حوالي الــ 20%.. أي إن عدد الطائرات المهاجمة كان حوالي الخمسمائة، أسقطنا منها تسعين.. ترى ماذا فعلت بنا الطائرات الباقية.. تطلب الأمر مرور 24 ساعة فقط لأعرف الإجابة البائسة.

مشروع آخر يرتفع صوته بين الحين والآخر ثم يخفت، المشروع يتضمن زراعة الصحراء، لا جديد في ذلك ولا مبالغة، لا شيء طويل أو عريض، ولكن عندما تقرأ أننا تعاقدنا على حفار عملاق بمواصفات خاصة ليست متاحة في بقية الحفارات الموجودة في أسواق العالم، فعندها يبدأ (الفأر في اللعب في عبّك) ياله من مصطلح عبقري في العامية المصرية، الفأر هنا ليس في غرفتك يقرض شيئا في ركن من أركانها، هو في عبّك.. يتجول ويقرض شيئا في عقلك يمنعك من تصديق ما يراد لك أن تصدقه. الحياة أفعال، وكل الأفكار على وجه الأرض ليست إلا أفعالا تم التعبير عنها بالكلمات، ولذلك علينا دائما في كل ميادين الإعلام إخضاع أي فعل للعقل النقدي لمعرفة نصيبه من الصحة ومقدار الخطأ فيه. كما أنه لا توجد على الأرض أكاذيب مفيدة للبشر على المدى القصير والبعيد، كلها ضارة حتى لو كانت شاهقة البياض.

التعليــقــــات
علي راضي، «فرنسا ميتروبولتان»، 05/11/2009
هذه الصراحة هي ما نحتاجها فعلا اذا عزمنا على النهوض. لم يدمر هذه الامة الا التفخيم الزائد. بارك الله بك استاذنا.
علي التميمي، «فرنسا ميتروبولتان»، 05/11/2009
ياسيدي/ العالم كلة يكذب ولكن كذب العرب غير, انه كذب سمج وبدون حياء لماذا؟؟؟؟ لان الناس لاتنتقد من يكذب ولا تستعيب الكذب بل تقدره وتجله.
المحامي ياسر نوافله / الأردن، «فرنسا ميتروبولتان»، 05/11/2009
أعتقد يا أستاذي العزيز , بأننا في بلادنا العربية , مغرمون بالأشياء الطويلة والعريضة , حتى لو كانت هذه الأشياء فارغة وجوفاء , المهم أن تكون كبيرة , فهناك , أكبر كعكة وأعظم صحن حمص وَأضخم طبق رز و كلها مسجلة باسمنا في سجل الصديق غينتس والحمد لله ! هذا فضلا عن مصانع الشامبو والمعلبات والبلاستك والتنك الفارغ وغيرها , وجميع هذه الانجازات العملاقة , يحرسها جيش من الاعلاميين والفنانين الذين يردحون بحبها وحب اليد التي أنجزتها , في حين أننا لم نسمع عن قصيدة أو أغنية في مدح شركات السيارات اليابانية ولا جسر بروكلن المعلّق أو سد دنفر العظيم أو نفق المانش , وهذه كلها معجزات حقيقية على أرض الواقع , وبالمناسبة فقد قرأت قبل قليل للشيخ عائض القرني مقالا رائعا , ملخّصه أن الطبول الخاوية أشد ضجيجا وأن سنابل القمح الفارغة أكثر شموخا في حين تجد المملوءة منها تنحني تواضعا وأدبا.
جابر سعد الجابري، «السويد»، 05/11/2009
نهر عظيم وقائد عظيم، وجماهيرية عظمى وكتاب اخضر، ولجان ثورية. كل هذه الانجازات العظيمة تمت بفضل الحصار، إذا كان للحصار فضل. وإذا كنا حققنا كل هذه الإنحازات في زمن الحصار، ما الذي تتوقع بعد رفع الحصار؟ ولن نحقق غير ما حققناه سابقا، وما حققناه سابقا لا يثمن من جوع وعطش.
والعظمة عندنا تعني القمع والظلم والفقر والتعذيب والنفي والهجرة الى خارج الوطن، نحن الذين أسأنا الفهم الى هذه المصطلاحات التي لا بفهم بها الا ضباط الجيش العظماء. يتساءل الكاتب ويقول كيف عرفت أنها كذبة؟. من طولها وعرضها. أما أنا يا أستاذ سالم تعرفت على الكذبة من خلال تواجدي في الجماهيرية الليبية العظمى، ومن داخل سكن جامعة الفاتح العظيم، كل شيء عظيم عندنا يا أستاذ، حتى الفقر والقهر والجوع والحصار والمرض بكل أنواعه عظيم يا أستاذ. وهل تستطيع مجتمعاتنا العربية مواجهة الكذب؟ هذه الشعوب المسكينة رضيت بالكذب، لكي ترضي حاكمها العظيم، يا سبحان الله العظيم.

 
ارسل هذا المقال بالبريد الالكترونى   اطبع هذا المقال  
The Editor
رئيس التحريــر
Editorial
هيئة التحرير
Mail Address
العنوان البريدي
Advertising
الإعــــــلان
Distribution
التــوزيــــع
Subscriptions
الاشتراكات
Corrections
تصويبات
Copyright: 1978 - 2009 © Saudi Research & Publishing Company (SRPC)